السيد محمد تقي المدرسي

286

من هدى القرآن

إن للقرآن الحكيم مناهج شتى تساعد على التفكر السليم ، وما يشير إليه السياق هنا من أبرزها : أن ننظر إلى الطبيعة ودوراتها السريعة ، ونتساءل : أليست هذه هي الدنيا ؟ ! أَوَليست حياة النبات في دورتها السريعة شبيهة بحياة الإنسان في دورة أبطأ قليلا ولكن بالنسق ذاته ، يقول عنها ربنا في آية كريمة : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [ الكهف : 46 - 45 ] ؟ ! . ويقول ربنا في هذه الآية : كَمَثَلِ غَيْثٍ مطر نزل على الأرض ، فسقاها ، واختلط بما فيها من بذور فصارت نباتا أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي أدخل إلى نفس الفلاح العجب والاغترار به ، كما تدخل زينة الدنيا في نفوس الكافرين بالآخرة ، ولا شك أن هذه الحالة سوف تجعله يعتقد ببقائه ، ويلهو عن نهايته حيث يصير حطاما ، والنبات هو المزروعات الصغيرة التي لا تبقى كالقمح والذرة ، وتُسمَّى نباتا في أطوارها الأولى حيث تشق التربة . ثُمَّ يَهِيجُ ويترعرع ، ويثمر حينما يبلغ أقصى القوة ، ولكنه لا يبقى طويلا حتى تبدأ مسيرته إلى النهاية فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً أول الأمر . والملاحظ أن العطف جاء بالفاء وهي أقرب الحروف عطفا ، ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً إذا أكل دورته الحياتية ، إذ تتيبس وتتكسر أوراقه وأعواده ، وهذه بالضبط مسيرة الحياة عند الإنسان في الدنيا ، يبدأ طفلا كالنبات ، ثم ينشط ويهيج عند المراهقة والشباب ، ولكنك تراه ينتكس في الخلق شيئا فشيئا ، ويفقد قوته وزينته ليصير كهلا فشيخا عجوزا قد وهن وخارت قواه ، ولا يطول به الأمد حتى تراه جثة هامدة محمولة على الأكتاف إلى قبر ضيق يستحيل فيه هيكلا ، فأوصالا ، فحطاما ، فترابا تذروه الرياح ، فلماذا يتشبث الإنسان بالحطام والمتاع الزائل إذن وهو مقبل على الآخرة ؟ . ما هي أهداف الإنسان في الدنيا ؟ وحينما يطمئن الإنسان إلى حقيقة الدنيا فسيعلم أن حطامها ليس بالذي يُشبع طموحاته ويحقق تطلعاته ، إنه يريد السعادة ولا تتم له فيها ، ويريد الخلود وهيهات ذلك ؟ ، فلا بد أن يبحث له عن هدف سام يجده أهلا للسعي له ، وهذا لا يمكن حتى يضيف إلى علمه بحقيقة الدنيا علما بحقيقة الآخرة ، ومن هذا المنطلق يعطف الله على قوله : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا قوله تعالى : وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ فكل إنسان يحس بفطرته ، أن طموحاته أكبر من الدنيا وما فيها ، ولكنه إذا غفل عن الآخرة فسيبقى مُصرًّا على التشبث بالدنيا ، طمعا في تحقيق ما